الشيخ محمد هادي معرفة
462
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
من شكّ في أنّ الاختلاف كان نتيجة تغيّرٍ في القصد أو الموقف ، وأنّ هذا التغيّر جعل هذه قصّة وتلك قصّة ، وما لا نرى من اختلاف ليس إلّا الصور الأدبية التي تلائم المقاصد والأغراض . خذ لذلك مثلًا قصّة موسى وصاحبه وفعله العجائب . فتارة يقول له موسى : « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً » « 1 » وأخرى : « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً » . « 2 » لأنّ الإمر - بكسر الهمز - هو الأمر العَجَب . وكلّ أمر خالف المألوف فهو يثير العَجَب ، سواء أكان خيرا أم شرّا . وهذه العبارة جاءت بشأن خرق السفينة بما لا يستلزم غرق أهلها ، فقد أثار عَجَب موسى ، حيث لم تعد فيه فائدة ولا حكمة ظاهرة ، ولعلّ فيه حكمة خفيّة ! أمّا النكر فهو الأمر المنكر البادي قبحُه بوضوح ، وهو يعود إلى قتل الغلام وهو طفل لم يعقل شيئا ولم يرتكب ذنبا . ومن ذلك أيضا التعبير عن الأرض اليابسة ، بالهامدة « 3 » مرّة وبالخاشعة « 4 » مرّة أخرى ، وذلك لاختلاف الموقف والغرض : فالأولى في سورة الحج : « يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ » . « 5 » والثانية في سورة فصّلت : « وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ . فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ . وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ . إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ » . « 6 »
--> ( 1 ) - الكهف 71 : 18 . ( 2 ) - الكهف 74 : 18 . ( 3 ) - الحج 5 : 22 . ( 4 ) - فصّلت 39 : 41 . ( 5 ) - الحج 5 : 22 . ( 6 ) - فصّلت 37 : 41 - 39 .